فلسفة التسامح

محمد الخضيري

الحياة أقصر من تحويلها إلى دفتر لتسجيل أخطاء الآخرين، فإذا انتقمت في صغائر الأمور، فماذا تركت لكبائر الأمور؟.. فمن أساء ووجد منك نفس متسامحة، فإنه غالبًا سيشعر بأنه أقل إنسانية منك وبأنك تساميت بحكمتك وارتفعت عنه قليلاً، وغالبًا لن يكرر هذا الخطأ، أما في حال التكرار والإصرار فيبقى لكل حادث حديث.

يقولون بأن التسامح هو نور يقذفه الله في قلوب عباده، ويقول آخر بأنه “رؤيتك لنور الله في كل من حولك”، وقد يكون رصيدًا من فطرتك القديمة، وقد كتبوا فيه مجلدات ودراسات، واكتشفوا بأن “الإنسان المتسامح” غالبًا ما يكون بصحة جيدة وهو الأطول عمرًا بين أقرانه.

وقد صار التسامح نظرية تنطوي عليها فلسفات وأساليب، فيقول أحدهم “سامح وأنت في موضع قوة، ولا تسامح وأنت ضعيف”، وهي النظرية الأكثر شعبية، ولكن لي وجهة نظر متواضعة بين قوسين “فرأيي أن التسامح مطلوب في موضع القوة والضعف كذلك”، لأنه سلوك فطري وليس خيار مزاجي، والفلسفة هنا تكمن في مواجهة من لا يتوقع منك المسامحة بأن تلتمس له العذر، ووضع من تعود على تسامحك وكثرت أخطاؤه في قائمة الانتظار ليرجع إلى نفسه ويتوقف عن عثراته المتكررة، أما النظرية الشعبوية المتربطة بــ “قوتك وضعفك” فهي نسبية وتخضع لرؤية الطرف الآخر أكثر من رؤيتك أنت لذاتك.

“عن تجربة”.. اكتشفت بأن الحياة تقابل عفوك بعفو، وتسامحك بتسامح، فمسألة تنقية ذاتك من الأحقاد والضغائن يمنحك الصفاء النفسي، أما الترتيب والإعداد للانتقام وتبييت الثأر لأقرانك مجرد مضيعة للوقت وتمنحك راحة مؤقتة في لحظة انتقامك، وهي ليست كالراحة الدائمة التي تأتي بالتسامي والتعالي على أفعال البشر.

لذلك فهو قرار صعب على النفس، لكنه يثلج الصدر، فلا تدع أحد يشكك في قدرتك على الرد، ويقلل من شأنك كونك “سامحت”، أنت سامحت لله أولاً، ثم من أجل نفسك.

لسنا هنا في موضع مقارنة بين قوتك وقوة خصمك، فالنظرية محسومة عندما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “ليس القوي بالصرعة، ولكن من يملك نفسه عند الغضب”.

وفي التسامح يوجد استثناءات فيما يخص (الذئب) الذي لا تتوقف غدراته وخيانته، وبعض الجرائم لا يصلح فيها التسامح إلا من كل الأطراف المتضررة ومنها المؤسسات والحكومات وثلة من البشر.

إذا شكك أحد في شجاعتك بسبب تسامحك، ونعتك بالسذاجة والطيبة، فعليك أن تقابله أيضاً بنفحة من نفحات التسامح، وأن تغفر له، فكلما سامحت كلما زادت قوتك الداخلية، فمن تسامح ساد.

أما الأجر العظيم فمن الله، فالله عز وجل لا يقبل إلا الطيب، والمغفرة مع أهل الأرض يقابلها مغفرة أكبر من السماء، وسترى كل ما يحدث من أعلى نقطة ومن زاوية أوسع وأشمل.

ولا تنس في النهاية احتمالية بأن يكون الطرف الآخر على صواب، وأنك قد سامحته لتفادى صراع محتمل لن يفيدك أو يفيده، وتسامحك في هذه الحالة يقارب “التغافل” وهو أيضًا من الحكمة.

0%