ماذا عن الماكرين ؟!

محمد الخضيري

(1)

تعجُّ رفوف المكتبات بقصص الماكرين وكتب “المكر السيىء والحيلة”، أينما اتجهنا سنفاجىء بمن يحكى موقف أو ذكريات تصف ما تعرض له في حياته، وبما أن الكتب تعطينا فكرة واقعية، إلا أن التجربة والتأثر أكثر بلاغة وبأن تلك التجربة هي المُعلم والأستاذ للحرص والابتعاد واعتزال الماكرين، وقد ترفَّع عنه الصحابة، فتجد قيس بن سعد- رضي الله عنه- يقول: لولا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “المكر والخديعة في النّار» لكُنْتُ من أمكر الناس“، ربما لمعرفته بأن المكر السىء لا يحيق إلا بأهله وصانعيه.

(2)

بعض من تعرض لنفحات الماكرين وغدرات المخادعين يتحول إلى كتلة من الخبرات في هذا العالم الصغير والذي تشابهت فيه الأشياء والأحداث، هذا بشرط أن يفهم طبيعة ما تعرض له ولماذا تعرض له؟!

أما إن كان من أصحاب النوايا الطيبة والمقاصد الشريفة، فعادة سيمتلك مفاتيح القوانين السرية للحياة والمبادىء المخبئة للماكرين، وسيصبح من أصحاب النظرات الثاقبة في تقييم الوجوه واستخراج المعرفة من الكلمات والجمل، وقد يضحى “سيداً” لطبيعته وظروفه التي يشكلها ولكن هذا سيحتاج إلى وقت بعد حجز الماكرين في زاوية والتخلص منهم.

(3)

هناك مواصفات وخصائص كثيرة “لأهل المكر والحيلة”، ولكنه أمر يحتاج إلى إسهاب، وما يمكن تفصيله في 5 نقاط:_

  • هناك فرضية تثبت بأن المكر والحيلة تطورت بتطور الزمان والمكان وعقلية الإنسان وأضحت لها نظريات وأفراد وجماعات يعملون عليها، وثمة صعوبة في كشف مكرهم وخداعهم ويعتمدون على الأضلاع الأربعة (التلفيق – الوشاية – الخدعة – الأنانية).
  • تبقى أفكار الماكرين والمخادعين متشابهة وتتم عبر سيناريوهات وقصص يخلقون لها الظروف المهيئة لاكتمالها، ويعتقدون أنهم أبطال خارقين عبر عملية مبرمجة لتهميش الشخص “الهدف”، وتخويفه أو إشعاره بأنه تحت سيطرتهم، ويصنعون المواقف والعوامل التي تشعره بأنه منبوذ أو مكروه أو مرفوض ليفقد الثقة بذاته، فإما أن يتحول “الهدف” إلى كتلة من الخوف والتوجس، أو ينقلب عليهم كيدهم وتحرق أوراقهم وتنكشف عوراتهم وهذا يحتاج إلى وقت، وإلى الإعتماد والتوكل على الله “فالأقدار تتحرك بقوة”. 
  • تراهم يتجمعون في دوائر بتلقائية ويتبادلون الأدوار وتتشابه وجوههم مع مرور الزمن، ومنهم من يعمل بشكل فردي وأغلبهم يؤمنون بالعمل الجماعي. 
  • حتماً يملكون القدرة على تغيير وتبديل أساسات ومبادىء الكيانات والجماعات والمنظمات، واستغلال الأفراد، وتشويه السلوك وإفساده، وإعطاب السجل الوظيفي، وتعريض خصومهم (للفتن) بغرض إبطال المبادىء، وخلق فلسفات جديدة للحياة والبحث عن آخرين لتبنى تلك الفلسفات. 
  • تجدهم يؤمنون بصحة أهدافهم ويعتقدون بضرورة مكرهم وأهمية خداعهم وإبطال مبادئ الآخرين، ويبررون أفعالهم بنظريات لا تقنع إلا المجانين وهي بعيدة عفة المقصد ونزاهة القلب.

(4)

إن أفضل الحلول للتعامل مع تلك التجمعات والأورام التي نشأت في جسد الأمة والمؤسسات هي عملية الإستئصال وذلك بعد التحذير والتنبيه ومنح الفرص والتلطف،  فكما يقوم المزارع بالتعشيب والتنظيف وإعداد الأرض لمحصوله، كذلك على الدول والمؤسسات والكيانات والجماعات إزالة تلك الأعشاب الشريرة والضارة من الأرض ويتم التطهير استعداداً لبذر بذور أهل الصواب والحكمة ورد مظالم المظلومين والمضطهدين ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون – النور ( 55 ) وهذا تطبيقاً لقوانين العدالة الأبدية التي أرستها حكمة العليم ووضعها بقدرته على الأرض لتنظيم سنن التدافع البشري وخلق التناغم الكامل في الدفع بين قوى الشر وقوى الخير، “وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنة، أتصبرون”؟! – الأنفال (30).

(5)

علمتنا التجربة أنه لا يمكن تزوير نتائج الحياة، فالناس تفعل وتسعى في ظل ظروفهم المحيطة وإن اختلف الزمان والمكان، ولكن المنتج النهائي ثابت، فمثلاً لا يمكن أن تطلب ثياب ذو جودة وأنت صنعته من خيوط ضعيفة، ستنتهي لنتيجة بائسة إن زاد حزنك بأن هذا المنتج ليس كما توقعت، أنت تتوقع الخير وسيأتي الخير حتماً، ولكن السؤال ماذا فعلت أنت لتسمع وترى بشائر الخير، وما هي نواياك المبدئية وتجهيزاتك واستعدادك؟!، إن أي خطة للبناء العادل لا يجب أن تقوم مع من تلوثت أياديهم بإضرار الناس وسرقة الأفكار والتضييق النفسي وخلق العزلة، إن الماكرين في هذا الزمان مثل الخيوط الرديئة التي تحيك بها ثيابك المنتظرة والتي للأسف “ستظهر عورتك لاحقاً” ولن تغطى ما أردت على المدى الطويل، لذلك الدول التي تعتمد على الماكرين “تفشل”، هي تحتاج للمتبصرين وأصحاب الخبرات لصد أهل الشر، لإن أهل الشر يخططون لإزهاق نفوس أقرانهم وتشويه الروح وإفشال المعنويات، ولا أخص أحداً بعينه فقد يمثلون إقليم أو دولة أو مجموعة أو غيرها.. وعادة يتبعون “شرير أكبر” يقوم بدعمهم وإعانتهم على فعلهم وتبرير أخطائهم.

 

0%