قصة حقيقية “صداقة دائمة”

متداول

يحكي أحد شيوخ المملكة العربية السعودية.. جاءني في يوم من الأيام جنازة لشاب لم يبلغ الأربعين، ومع الشاب مجموعة من أقاربه، لفت انتباهي،شاب في مثل سن الميت يبكي بحرقة، شاركني الغسيل، وهو بين خنين ونشيج وبكاء رهيب يحاول كتمانه، أما دموعه فكانت تجري بلا انقطاع.. وبين لحظة وأخرى أصبره وأذكره بعظم أجر الصبر..ولسانه لايتوقف عن قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، لاحول ولا قوة إلابالله.. هذه الكلمات كانت تريحني قليلا..بكاؤه أفقدني التركيز، هتفت به.. إن الله أرحم بأخيك منك، وعليك بالصبر.. التفت نحوي وقال: إنه ليس أخي. ألجمتني المفاجأة، مستحيل، وهذا البكاء وهذا النحيب.

نعم إنه ليس أخي، لكنه أغلى وأعز إليّ من أخي.. سكت ورحت أنظر إليه بتعجب، بينما واصل حديثه.. إنه صديق الطفولة، زميل الدراسة، نجلس معا في الصف وفي ساحة المدرسة، ونلعب سويا في الحارة، تجمعنا براءة الأطفال مرحهم ولهوهم.. كبرنا وكبرت العلاقةبيننا، أصبحنا لا نفترق إلا دقائق معدودة، ثم نعود لنلتقي، تخرجنا من المرحلةالثانوية ثم الجامعة معا.. التحقنا بعمل واحد.. تزوجنا أختين،وسكنا في شقتين متقابلتين.. رزقني الله بابن وبنت،وهو أيضا رُزق ببنت وابن.. عشنا معا أفراحنا وأحزاننا، يزيد الفرح عندما يجمعنا، وتنتهي الأحزان عندما نلتقي.. اشتركنا في الطعام والشراب والسيارة..نذهب سويا ونعود سويا.. واليوم.. توقفت الكلمة على شفتيه وأجهش بالبكاء.. يا شيخ هل يوجد في الدنيا مثلنا؟؟.. خنقتني العبرة، تذكرت أخي البعيد عني،لا.. لا يوجد مثلكما.. أخذت أردد، سبحان الله، سبحان الله، وأبكي رثاء لحاله.. أنتهيت من غسله،وأقبل ذلك الشاب يقبله.. لقد كان المشهد مؤثرا،فقد كان ينشق من شدةا لبكاء، حتى ظننت أنه سيهلك في تلكا للحظة.. راح يقبل وجهه ورأسه، ويبلله بدموعه.. أمسك بها لحاضرون وأخرجوه لكي نصلي عليه..

وبعد الصلاة توجهنا بالجنازة إلى المقبرة.. أما الشاب فقد أحاط به أقاربه. وعند القبر وقف باكيا، يسنده بعض أقاربه.. سكن قليلا، وقام يدعو، ويدعو.

انصرف الجميع.. عدت إلى المنزل وبي من الحزن العظيم ما لا يعلمه إلا الله، وتقف عنده الكلمات عاجزة عن التعبير.. وفي اليوم الثاني وبعد صلاة العصر،حضرت جنازة لشاب، أخذت اتأملها، الوجه ليس غريب، شعرت بأنني أعرفه، ولكن أين شاهدته.. نظرت إلى الأب المكلوم، هذا الوجه أعرفه.. تقاطر الدمع على خديه، وانطلق الصوت حزينا.. يا شيخ لقد كان بالأمس مع صديقه.. يا شيخ بالأمس كان يناول المقص والكفن، يقلب صديقه، يمسك بيده، بالأمس كان يبكي فراق صديق طفولته وشبابه، ثما نخرط فيا لبكاء..ا نقشعا لحجاب، تذكرته، تذكرت بكاءه ونحيبه.. رددت بصوت مرتفع: كيف مات؟.. قال عرضت زوجته عليه الطعام، فلم يقدر على تناوله، قرر أن ينام، وعند صلاة العصر جاءت لتوقظه فوجدته، وهنا سكت الأب ومسح دمعا تحدر على خديه ،رحمه الله لم يتحمل الصدمة في وفاة صديقه ، وأخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون.. قلت له إنا لله وإنا إليه راجعون، اصبر واحتسب، اسأل الله أن يجمعه مع رفيقه في الجنة،يوم أن ينادي الجبار عز وجل: أين المتحابين فيِّ اليوم أظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي.. قمت بتغسيله، وتكفينه، ثم صلينا عليه.. توجهنا بالجنازة إلى القبر،وهناك كانت المفاجأة.. لقد وجدنا القبر المجاور لقبر صديقه فارغا.. قلت في نفسي مستحيل!.. أنزلناه في قبره، وضعت يدي على الجدار الذي يفصل بينهما،وأنا أردد، يالها من قصة عجيبة، اجتمعا في الحياة صغارا وكبارا، وجمعت القبور بينهما أمواتاً.. خرجت من القبر ووقفت ادعو لهما: اللهم أغفرلهما وأرحمهما،اللهم واجمع بينهما في جناتا لنعيم على سرر متقابلين، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومسحت دمعة جرت، ثما نطلقت أعزي أقاربهم، وأخذت ادعو لهما.

قال الحكماء في الصداقة، الصداقة ليست حروف تنثر،أو كلمات تقال، إنها نبضات قلب، وهمسات وجدان، هي مشاعر وإحساس، من وحي والهام القلوب، مائها الحب، وشعارها الأخلاص، ومضمونها الوفاء، وعنوانها التواصل، لا تعرف التوقيت ولا التعليق، غايتها اختلاط القلوب، وتمازج الأرواح، معنوية الأركان غير مادية الأجزاء، أساسها متين، محكمة القواعد، بابها مكتوب عليه نأسس لنبني لا نبني لنهدم، وعلى جدرانها الحب لا يعرف دوران المصالح، وعلى أرضها منقوش ما بني على فاسد مصيره إلى زوال، أي ضع الأساس على صخرة وإلا انهار البناء، بنيانها لا يتصدع بعد التمام، لا تأثر فيها عوامل التعرية، تتلاشى جنباتها بعد التمزق، إنها باختصار شريان الحياة، ووصل السماء، وينبوع الأرض، لا ينقطع سيبها، مددها فياض، هي لمن عرفهاالحصن الحصين،والركن المتين، الذي يأوي إليه في كل وقت وحين، منها يستقي الدفئ والحنان، ويأمن في كنفها من شرور حوادث الزمان والمكان.

0%