المتبصـرون بعد سقوطهم

محمد الخضيري

الإنسان الذي يواجه العقبات التي تعبث بحالته الإيمانية والإدراكيه عبر “جسده وروحه” هو بلا شك إنسان مجاهد ومقاتل، فالجسد يواجه العقبات المادية الملموسة، والروح تنافح الضغوط النفسية،وترددات الشر والطاقة السلبية، لذلك تجد “شياطين الإنس والجن” يعززون وجودهم وازدحامهم حول المؤمنين والمقبلين على ربهم، وينتظرون لحظة يهتكون بها ستره، ويتتبعون عثرته ويسجلون سقوطه، هؤلاء الحمقى يعتقدون أن هذا الإخفاق أو السقوط المؤقت هو النهاية الطبيعية لتلك الشخصية التي تتمتع بالفضيلة، هم يريدون إيجاد المبرر لنزع الشرعية الأخلاقية من محيطه، وهم لا يعلمون أن البشر جميعاً يعيشون في ظل هالة الأقدار الربانية بين الصحة والخطأ.

ما فائدة الحياة بدون “معارك الخير والشر”، وما فائدة أن يحوم “أهل الشر” من الإنس والجن حول أناس مترفون لا تأثير لهم في الحياة (جثث متحركة/ لا قيمة لها) هم يركزون خططهم حول النفوس الحية والنقية لتعكيرها أو إذلالها إن سقطت، وثمة آليات مشتركة وأدوار متكاملة وتنسيقات بين أشرار الإنس والجن حيث تجمعهم صفات مشتركة وتجذبهم أفكار ونوايا مترابطة، لذلك لا يمكن الجزم باستواء الإنسان على الصراط منذ مولده حتى نهاية أجله، هو في منافحة ومواجهة دائمة، والسلوكيات الفردية غير مستقلة عن حالة الإنسان الإيمانية، والإيمان بطبيعته يزيد وينقص، وهناك من يمسى كافراً ويصبح مؤمناً والعكس، هذه الديناميكية السلوكية ليست نتاج تفاعل داخلي في نفس الإنسان فحسب، ولكنها نتاج ترددات محيطة لا يعلمها إلا الله العلي القدير، فهناك أناس أخفياء أتقياء يصلحون الفاسد، وهناك أناس أشرار يفسدون المصلح، وشياطين الإنس والجن لديهم “البرامج الكاملة” وآليات تنفيذها.

الصعوبات التي يلاقيها الإنسان، تنشأ غالباً من جهله بهذه المعادلة أو تلك القصة التي تحكي عن “مؤامرة شياطين الإنس والجن”، والمطلوب منه تحصيل المعرفة وإيجاد القوة اللازمة لمنافحة (صُنــاع الفتن)، وهذا لن يتحقق إلا بتعلم الدروس من أخطائه الفردية بها وإيجاد التوكيد الداخلي حول الاستقامة، وأن يدرك في نفسه بأنها هي الطريق ويظل ينافح حتى ينتصر، كلنا سنظل ننافح رغم عثراتنا وأفعالنا.

فالشخص المنتصر على مؤامرة أهل الشر من الإنس والجن، هو “عملة نادرة”حازت على الخبرة والتبصـر، وتعلم الدروس، واكتملت لديه عملية النضوج والإدراك الكامل، وتخلى عن طرق “الجهل والأنانية” فولدت لديه حالة الاستنباط للأمل من قلب الألم، وارتفع لديه معدل الصبر والتوكل على الخالق، فأصبح يملك ملكات جديدة وفريدة ويتقن مهارات لا يملكها هؤلاء الذين لم يخوضوا تجربته الفريدة، فأخطاء الإنسان ليست دائماً نذير للشر، بل قد تكون بداية للخير والبركة.

0%