عمال النظافة فوق رؤوسنا

محمد الخضيري

لا يمكننا أن نعيش في عالم يسوده العدل والحكمة دون أن يتمكن أصحاب المهن الخدمية من أخذ حقوقهم كاملة، وخصوصًاً في الدول التي تسعى للخروج من الضنك إلى سعة الإنتاج والعدالة ليشعر مواطنوها بأن لهم قيمة، وبأن ما يفعلونه يجلب المنفعة لبلادهم.

عامل النظافة شخص مهم في المجتمعات العادلة.. ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك امرأة تقوم على نظافة مسجد الرجال، ولاحظ النبي أنها غابت لفترة فسأل عنها، فقال أحد الصحابة: كنت يا رسول الله نائمًا وقد توفت المرأة ولم أرغب في إخبارك (لم يرغب في إزعاجه) .

فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها صلاة الغائب، وهنا علينا أن ندقق قليلاً في هذا المشهد كونها امرأة تقوم على مسجد الرجال، يتفقد أحوالها أعلى رتبة وأرقى قائد بشكل شخصي، لدينا في هذا الموقف عدة دروس.

عامل النظافة.. جالب للبركة وأيقونة للصبر، وصاحب جهد، كونه يتميز بالهدوء والصبر، ويعمل غالبًا في درجات حرارة متباينة وظروف قاسية، وعلى الرغم من هذه الأوضاع تجد نماذج فريدة أحسنت تربية الأبناء، وعلموا أولادهم كأفضل ما يكون، فخرج منهم الأطباء والمهندسون.

وهو لا يجد غضاضة في تحمل الروائح والفوضى، ثم التعامل معه بقلةاحترام وامتهان مقصود أو غير مقصود من بعض الناس، وذاك أمر لا يقدره إلا أصحاب الحُكم الرشيد وتلك البلدان التي تقتفي أثر العدالة ولديها رؤية في أدق الأمور، فمنح الحقوق لهم ولغيرهم من الضعفاء تزيد البركة وتمحق الفقر.

تجد البلدان العاقلة ترفع رواتب “عمال النظافة” بشكل مثير للدهشة، ولديهم قناعة بأن هذه المعدلات تليق بهؤلاء وجهودهم، ويوجهون لهم أرقى عبارات الشكر والتقدير، ولذا من وجهة نظري، فالبركة تزيد بزيادة العدل وتقل بنقصانه، وحدث هذا الأمر في الولايات المتحدة بولاية سان فرانسيسكو، وبعض دول اسكندنافيا واليابان وكندا.

كم من المواقف المشرفة لهؤلاء في بلادنا تمر علينا مرور الكرام، فأغلبهم يتمنى أن ترفع يدك وتسلم عليه أو تبتسم في وجهه، تقديرًا منك لجهده وعمله، كم منهم وافته المنية أثناء أداء واجبه؟، ومنهم من رد مبالغ مالية أو مصوغات ذهبية وجدها، ومنهم من لعب دور الحارس الأمين للمنطقة التي يعمل بها، كثير من هؤلاء الرجال منع جرائم دون أن يشعر.. ولو نظرت لوجوههم أينما كانوا ستعطيك كل المعاني، وكأنهم مرصد الحقيقة، فضلاً عن كونهم أيقونات تبث الصبر والسكينة على من يمر عليهم لتهون على الجميع ضيق الدنيا.

0%