مدينة “نورديلينجن” وأحجار الألماس!

محمد الخضيري

 

يقال بأن درجات السلم الضيقة لبرج الكنيسة القوطية في مدينة “نوردلينجن – الألمانية” عبارة عن درجات ألماسية رمادية اللون مما يجعل شكلها جذاب، وكشفت الأبحاث مؤخراً عن حقيقة هذه المدينة التي تحوي في بطونها أطنان من الأحجار الكريمة والألماس.

يقدر الجيولوجيين المحليين بأن أسوار المدينة والمباني تحتوي على ما يقرب من 72 ألف طن من الألماس، والعجيب أن هذا الألماس حضر إلى الآرض نتيجة صدمة كبيرة قبل ملايين السنين، حيث اصطدم كويكب مسافر طوله كيلومتر وبسرعة حوالي 25 كيلومتر في الثانية الواحدة بأرض مدينة “نوردلينجن” الألمانية، وأنشأ حفرة واسعة طولها 26 كيلومتر، وبسبب تعرض حجارة الكويكب للحرارة والضغط الشديدين فقد تكونت فقاعات الكربون بداخله ثم تطورت وتحولت تلك الحجارة إلى قطع من الألماس الصغير والتي لا يتعدى حجمها 0.2 مللم.

ويقال بأن أغلب مناجم الأحجار الكريمة والألماس في العالم هي نتاج صدمة تعرضت لها الأرض من قبل أجسام خارجية، وفي لحظة الاحتكاك تتولد درجات حرارة مرتفعة وكربون كثيف وغازات سامة، إلا أن تظهر النتائج لاحقاً بعدما تتلاشى الأدخنة وتذهب الحرارة، وينتج عن هذا الحادث الطبيعي (أحجار نادرة وقطع ألماس)، وهذا ينقلنا إلى طبيعة النفس البشرية التي تشبه طبيعة الأرض والتي شكلها الله عز وجل وبث فيها من كل دابة، ويثبت بأن خصائص الإنسان بالفعل تشبه الخصائص الأرضية فقد خلق الإنسان من “طين”، ولنا عبرة في هؤلاء الذين أثبتوا هذه النظرية، وبأن الصدمات النفسية التي تعرضوا لها أفرزت من عقولهم أفكار لا تقدر بثمن، وآخرين تعرضوا للصدمات فكانت إبداعاتهم واختراعاتهم وابتكاراتهم مبدلة للتاريخ البشري.. إن الصدمة التي تلقتها مدينة “نوردلينجن” تشبه تلك الصدمات التي نتعرض لها نحن البشر، ففي بدايتها يكون الحزن والهم والغم، وعندما يتلاشى الغبار تظهر المعادن ويثبت الإنسان إن كان نتاج صبره “ماساً خالصاً” نتاجاً لنفسه السوية وفطرته السليمة، أم مجرد “قطع زجاج” كنتاج لتهشيم شخصيته وتحطيم ذاته وضياع فكرته وتشوه فطرته.

إننا جميعاً مثل مدينة ” نوردلينجن”، نتلقى الصدمات وتتناثر ماستنا وأحجارنا الكريمة، ومنا من يلحقها ويستغلها، ومنا من يتركها على الطرقات ولا ينتفع بها، عندما يهدأ الإنسان بعد الصدمة ويتأمل حاله ويراجع تجربته بموضوعية وبشفافية صادقة مع الذات، سيشاهد العديد من الرسائل والحكمة الربانية في ذلك، وسيجد أحجاره متناثرة من حوله وعليه أن يلتقطها.. وأبرز هذه الأحجار هي تلك الخبرات التي اكتسبها بعد الصدمة، وقدراته الجديدة وهمته وعزيمته و رغبته في عمل شىء إيجابي.

إن هؤلاء الذين يجمعون جواهرهم وأحجارهم الكريمة نتاج الصدمات، هم أنفسهم من استطاعوا أن يتجاوزوا مرحلة الصدمة بإيجابية وتفاؤل وأمل، فيدرك الإنسان مرحلة ما بعد الوقوع في الصدمة وماذا عليه أن يفعل.. ولكن بعضنا قليل الخبرة في ذلك، فلا يستغل من الصدمة إلا تقوية ظهره وفقط، ويترك ماسته للآخرين!

80%
Awesome
  • Design