وصايا” سيكولوجية” من وحي النبوة (1)

محمد الخضيري

اهتم الإسلام بدراسة الأشخاص والبيئة المحيطة وأثر التفاعل البشري في حال اتباع مبادىء بعينها، وعمل النبي “صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم” على تقويم النفوس وتهذيب السلوك من خلال التعرف على “طرق التفكير” في البيئة المحيطة واستغلال الإنفعالات وردود الأفعال في بث الثوابت النفسية وخلق الدوافع، فعلها النبي وغفلنا نحن عنها.. فالآن تعاني الحضارة البشرية من (لخمة رأس) بسبب تنوع النظريات والفلسفات التي تفسر السلوك الإنساني، للدرجة التي سعت فيها المنظمات السرية لخلق أحداث عالمية عظيمة وبث فيروسات وتدشين الحروب بين أبناء البلد الواحد للتعرف على السلوك وردود الأفعال لتحديد ماهية الأساليب المناسبة للتعاطي مع الأفراد والأمم في سبيل تحقيق السيطرة الشاملة.

إن الأحاديث النبوية الصحيحة والأقوال المأثورة عن صفوة الصحابة، تظهر للمتتبع معانٍ دقيقة، وتخفي للمتدبر أسرار عميقة، ستجد لهذه الأحاديث مرجع معرفي حديث أو نظرية فلسفية جديدة تم اكتشافها مؤخراً.. فنحن أمة متقدمة ولكنها لا تبارح مكانها ولا تتحرك بفعل أشياء وأحداث كبرى لها حلول سهلة وبسيطة من واقع السيرة النبوية العطرة.

– يقول صلى الله عليه وسلم” ..إذا اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم”..

وقد أثبت العلم الحديث بأن الشخص الذي يشعر أنه تحت الرقابة بشكل دائم يتحول في اتجاه مختلف ويفسد سلوكه بسبب عدة عوامل منها الخوف والقلق والتوتر بسبب تلك الرقابة، وكذلك الحال للمؤسسات والكيانات الكبرى، حيث يرتبك قادتها وأمرائها في حال تسليط الضوء عليهم بشكل فج، وكذا ترتبك الدول وقواعدها الإدارية في حال الإحاطة بها من كل جانب وهناك أمثلة كثيرة.

– ما أملق تاجر صدوق. . أي ما افتقر تاجر صادق:

وتفسير هذا الحديث من واقع تجربة ورؤية لحال التجار ورجال الأعمال، وكذلك حال الدول التي تعتمد على تقويم وترتيب البيع والشراء بكل شفافية، وتتبع المصداقية في إدارة معايير جودة السلع والخدمات، فالدولة التي لديها قانون ينظم الإستيراد والتصدير بشكل عادل وتسمح بحرية التبادل هي بلا شك دولة رائدة وسمعتها حسنة لدى الشعوب الأخرى التي تستهلك منتجاتها .

– إنما الصبر عند الصدمة الأولى
وكذلك ليس الشديد بالصرعة، ولكن من يملك نفسه عند الغضب:

هذا الحديث يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك قوة الثبات الإنفعالي( لدى المؤمن ، واختبار مدى إيمانه وقوة تحمله عند الصدمات في أول “إنفعال”، ولهذا يصف النبي قوة الثبات الإنفعالي بصفة الصبر.. بل الصبر الحقيقي، وكذلك يصف الشخص القوي والشديد بأنه ليس من يغلب في المصارعة، بل من يملك نفسه عند الغضب هو الأكثر حكمة، وكذا الحال بالنسبة للدول والأمم التي ربما قد تتعرض لاستفزازات وتحرشات و انتقاص للحقوق الجغرافية أو المائية، فإنها تصبر حتى إذا جاءت اللحظة الحاسمة فإنها تتخذ القرار المناسب لتبقى بخير ولا ينام أعدائها، أما التهور والعجلة فليس في عواقبها خير .

– لا دين لمن لا عهد له..
الشخص الذي يخالف مواثيقه وعهوده واتفاقاته.. فهو شخص لا يمكن أن يتصف “بالتدين أو معرفة الخالق”، وكذلك الحال في التواصل بين الدول والأمم المختلفة بتنوعها واختلافها، فهناك دول ذات مبادىء تتسم بالمصداقية وتصدق عند تحالفها، وهناك دول مشهورة بخيانتها الدائمة، أما من يصدق معنا فله الأمن ونعطه ونمنحه ونحافظ عليه، ومن يخلف العهد فلا مكان له بيننا.

– عليكم بالجماعة.. فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية – الشاردة:

عندما يعيش الإنسان منعزلاً عن البيئة المحيطة به، فإنه غالباً يصاب بأمراض نفسية تتطور كلما تعمقت عزلته وزادت وحدته فتأكله نفسه وتنهش فيه الوساوس، فقد يصاب أحدهم بداء “العظمة” أو “يدعي أحدهم النبوة” أو “يصاب بالهلوسة وشطط الفلسفة” ومنهم من يحتاج إلى وقت للعودة والمخالطة، وكذا الحال للأمم التي تنعزل فيتآمر عليها الجميع، أو تصبح قنطرة لممارسات أجهزة دولية ومنظمات سرية تعبث بأمنها وتفرض عليها الشروط وتعرضها للخدعة، فلا حل إلا التحالف الصادق والعميق دون تردد.

– ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه..
فالإنسان الذي يدرك حقيقته وقيمته لا يهلك أبداً، وكذلك الأمر بالنسبة للأمم والشعوب فمن عرف نفسه فقد عرف الأسرار الخفية واصطاد الحكمة والمنفعة من كل الأشياء المحيطة والمواقف العابرة.

– احذروا من لا يرجى خيره.. ولا يؤمن شره ..

هناك نوع من البشر إذا تواجد في مكان ما، لا نبتت فيه نبتة ولا صلحت فيه حكمة ولا كثرت فيه البركة، وقد حذر النبي من هؤلاء.. وهم نوعية تعرفهم بسيماهم، وكذلك هناك دول حالها كحال هؤلاء الأشخاص، لا يؤمن شرها ومكرها، والبعد عنهم غنيمة .

– يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا عبدالله بن مسعود.. ياعبدالله لا تكثر همك يا عبدالله، ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك..

وهي رسالة نبوية خالصة تدعو الإنسان للرضا والتوكل وعدم إنهاك النفس في التفكير، وقد تبدو أكثر عمقاً واختصاراً من الحكم الصينية والهندية القديمة والتي تتحدث عن نمو الشكرات الخيرة في النفس البشرية حسب مصطلحاتهم ،عبر ممارسة الرضا والذي يصنع هالة الإنسان المضيئة، وأن يعتمد على (الكارما) .. في انتظار الفرج ورد الحقوق، بينما نحن نؤمن بالقدر خيره وشره وقد أوتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم “جوامع الكلم”.

– من حسن إسلام المرء.. تركه ما لا يعنيه..

( إن أفضل طريقة يعيش بها الإنسان هو أن يترك الأمور التي لا تعنيه في شىء ولا يقحم نفسه فيها، والأفضل بعد تجارب من الحياة أن نترك العباد لرب العباد إلا من تجبر وأفسد في الأرض، فقد وجبت نصيحته أو مواجهته بمظالمه) .

– إنما العلم بالتعلم.. والحلم بالتحلم.. ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه..

يوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن ممارسة الشىء يكسب المرء خصائصه، بمنعنى من يمارس الحلم فإنه يرزق التحلم والرفق، ومن يتعلم يرزق العلم والحكمة، ومن يبحث عن الخير يأت له، ومن يوق نفسه عن الشر تأتي له الحماية.

– ما كان الرفق في شىء إلا زانه.. وما نزع من شىء إلا شانه:
( الإنسان المتأني والرفيق والدقيق في أسلوبه وردود أفعاله تكن أموره كلها في إطار الصحة والحكمة، والإنسان العجول المتهور وصاحب الرد الإنفعالي يكن أمره في إطار الخطأ، فيقال عند العرب فلان زين وفلان شين.

– صنائع المعروف.. تقِ مصارع السوء..
كم شاهدت من المواقف والأحداث لأشخاص حالت أفعالهم الطيبة بينهم وبين المصائب فجاءت برداً وسلاماً عليهم وعلى من حولهم، ففعل الخيرات دون انتظار مقابل ودون رياء يمنح النفس الطمأنينة والسكينة ويصرف عنها كل شر.

– تهادوا تحابوا..

الهدية للصديق وغير الصديق تجلب الحب والرفق وهي مفتاح العلاقات الطيبة والتواصل بين الناس .

– أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك:

وهي إجابة وافية وكافية لكل من يسأل عن رد المظالم ومواجهة الخيانة بخيانة، والغدر بغدر، هو أمر حسمه النبي، بأن المسلم منضبط في سلوكه، حكيم في أخلاقه، لا يحارب المفتري بأدواته ولا يكذب ليأخذ حقه.

– العلم خزائن.. ومفتاحها السؤال..

( هنا تكمن قيمة السؤال الدائم عن كل الأشياء الغائبة بشكل منطقي وفي الوقت المناسب، فالأسئلة من سمات العباقرة الذين يبحثون دوماً عن الحقيقة).

– إن الأرواح جنود مجندة.. فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف:

( وهذا الحديث أثبتته دلائل العلم الحديث من تآلف النفوس والأرواح بين البشر تبعاً للطبيعة البشرية والبيئة والتربية والعوامل الأخرى التي تتحدث عنها العلوم الإنسانية الحديثة.

[email protected]